ابن كثير
466
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قال اشتقوا اللات من اللّه ، والعزى من العزيز « 1 » ، وقال قتادة يلحدون يشركون في أسمائه « 2 » . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : الإلحاد التكذيب « 3 » : وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول عن القصد ، والميل والجور والانحراف ، ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 181 ] وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( 181 ) يقول تعالى : وَمِمَّنْ خَلَقْنا أي بعض الأمم أُمَّةٌ قائمة بالحق قولا وعملا يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يقولونه ويدعون إليه وَبِهِ يَعْدِلُونَ يعملون ويقضون ، وقد جاء في الآثار أن المراد بهذه الأمة المذكورة في الآية هي هذه الأمة المحمدية ، قال سعيد عن قتادة في تفسير هذه الآية : بلغني أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول إذا قرأ هذه الآية « هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ « 4 » [ الأعراف : 159 ] . وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في قوله تعالى : وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم متى ما نزل » « 5 » . وفي الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة » وفي رواية « حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك » وفي رواية « وهم بالشام » « 6 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 182 إلى 183 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 182 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 183 ) يقول تعالى : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ومعناه أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء ، كما قال تعالى : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الأنعام : 44 - 45 ] ولهذا قال تعالى : وَأُمْلِي لَهُمْ أي وسأملي لهم ، أي أطول لهم ما هم فيه ، إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي قوي شديد .
--> ( 1 ) تفسير الطبري 6 / 132 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 132 . ( 3 ) تفسير الطبري 6 / 132 . ( 4 ) انظر تفسير الطبري 6 / 134 . ( 5 ) انظر الأثر في الدر المنثور 3 / 272 . ( 6 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 29 ، ومسلم في الإمارة حديث 170 ، 174 .